• بيروت، لبنان
  • الاثنين، 10 آب 2020

شكرًا لمطران بيروت للموارنة لأنّه "راعٍ صالح" ولأنّه... مَسَح العار اللاحق بمار مارون

بصراحةٍ فادحة وضعت النقاط على الحروف؛ صراحةٍ نقيّةٍ ومنزّهةٍ من الصغائر، وبوضوحٍ فاقع، وباختصارٍ شديد، وبعقلانيّةٍ جريحةٍ وصارخة، وبكلامٍ يتّجه مباشرةً إلى هدفه، بدون مواربة، أي بدون ضربةٍ هنا على الحافر وضربةٍ هناك على المسمار، وبدون ممالأةٍ ومجاملةٍ ومداهنة، وبصوتٍ متّزن، وبهدوءٍ ورباطة جأشٍ مثاليّين، قال مطران بيروت للموارنة اليوم الأحد، 9 شباط 2020، لمناسبة عيد شفيع الجماعة المارونيّة، مخاطبًا كلّ مَن يعنيهم الأمر: الاستقالة أشرف من البقاء في السلطة، والمي ما حدا بيقدر يحبسها، في إشارتَين جليّتَين إلى خروج السلطة على قَسَمها، وإلى الغليان الشعبيّ الذي ينذر بالانفجار.

 

حمل بولس عبد الساتر عصاه، وجعل عينيه تتوجّهان مباشرةً إلى الأمام، حيث الرؤساء الثلاثة، رئيس الجمهوريّة المارونيّ، ورئيس مجلس النوّاب الشيعيّ، ورئيس مجلس الوزراء السنّيّ، وحيث من على الميمنة والميسرة، ومن وراء، حشدٌ متزاحمٌ من الوزراء والنوّاب والشخصيّات وأهل الطبقة السياسيّة، ووجّه هذا المطران المارونيّ الذي لا أعرفه، والذي بات يحظى باحترامي الشخصيّ، رسالتَين لا أكاذيب فيهما، صادقتَين، صارمتَين، جارحتَين، مدوّيتَين، ناريّتَين، تعبّران عن الوجدان الجمعيّ للبنانيّين المألومين؛ رسالة أولى إلى أهل الحكم وسكّان السلطة، ورسالة ثانية إلى الناس، "الثوّار الحقيقيّين".

 

في الأولى قال إنّ الحل المشرّف أمام هؤلاء المسؤولين هو الاستقالة. فالزعيم الصالح ليس الذي يحسب الوطن ملكيّةً له ولأولاده من بعده ويحتكر السلطة  ويظلم من وثقوا به، بل هو الذي يختار الرحيل أو التخلّي عن الزعامة على أن يخذل شعبه أو يسيء إليه، ولو لمرّةٍ واحدة.

وسأل مخاطبًا هؤلاء القادة والزعماء والحكّام والمسؤولين، إنّ اللبنانيّين الذين وثقوا بكم وانتخبوكم، ألا يستحقّون أنْ تصلحوا الخلل في الأداء السياسيّ والاقتصاديّ والماليّ والاجتماعيّ، وأنْ تعملوا ليلًا ونهارًا مع الثوّار الحقيقيين على إيجاد ما يؤمّن لكلّ مواطن عيشةً كريمةً؟

وإلّا فالاستقالة أشرف.

 

في الرسالة الثانية، حذّر هؤلاء المسؤولين من مغبّة ما ينتظر البلاد من مصيرٍ كارثيّ، منبّهًا من تمادي قصر النظر والاستبداد والظلم والقمع والاعتقال والتعسّف والترهيب والضغط على الناس، قائلًا "ما حدا بيقدر يحبس الميّ، والناس متل الميّ إلّا ما تلاقي منفذ تنفجر منّو".

يهمّني في اليوم السادس عشر بعد المئة على بدء "17 تشرين"، أنّ أغتنم مناسبة هذه العظة التاريخيّة، لأقول بكلماتٍ قليلة، محذّرًا المسؤولين من الطريقة الجهنّمية التي يواصلون فيها ممارسة السلطة، كأنّ الحياة الوطنيّة اللبنانيّة تجري في مجاريها الطبيعيّة.

 

لستُ أنا الذي يحذّر، بل هو صوت المواطن، كلّ مواطن. هذا الصوت الجمعيّ، يحذّر أهل السلطة من الغليان البركانيّ الذي ينذر بالانفجار الأعظم. فعندما يتحرّك باطن البركان، وعندما تهتزّ رحم الأرض، وتتمخّص، لا تعود قوّةٌ، مهما بلغ شأوها، قادرةً على إعادة العقارب إلى الوراء، والغليان الثائر إلى هموده وخموده.

نداء إلى "الثوّار الحقيقيّين": أنتم أقوياء بالحقّ، بالضغط الديموقراطيّ المنظّم، وبالكرامة، فتسلّحوا بها.

شكرًا لمطران بيروت للموارنة لأنّه صوت صارخٌ في برّيّة لبنان، وراعٍ صالح، ولأنّه دعا المسؤولين إلى الاستقالة، ومسح العار اللاحق بمار مارون، من جرّاء الكُثُر من "الناطقين باسمه" والموسومين به.

الكاتب: عقل عويط
المصدر: جريدة النهار